عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

87

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

بمعونة اللّه عز وجل . إن أول أثر ظهر في عالمنا هذا من نحو المركز بعد امتزاج العناصر الأربعة أثر حركة النفس في النبات وذلك أنه تميز عن الجماد بالحركة والاغتذاء ، وللنبات في قبول الأثر عرض كثير ومراتب مختلفة لا تحصى ، إلا أنا نقسمه إلى ثلاث مراتب ؛ وهي الأولى ، والوسطى ، والأخرى ليكون الكلام عليه أظهر وإن كان لكل مرتبة من هذه المراتب عرض كثير ، وبين المرتبة الأولى والوسطى مراتب كثيرة ، وبين المرتبة الوسطى والأخرى مراتب كثيرة ، إلا أنه بهذا التدبير يمكننا أن نشرح ما قصدنا إليه من إظهار هذا المعنى اللطيف فنقول : إن مرتبة النبات في قبول هذا الأثر الشريف هو ما نجم من الأرض ولم يحتج إلى بذر ولم يحفظ نوعه ببذر كأنواع الحشائش ، وذلك أنه في أفق الجماد والفرق بينهما هو بهذا القدر اليسير من الحركة الضعيفة في قبول أصل النفس ، ولا يزال هذا الأثر يقوى في نبات آخر يليه في الشرف إلى أن يصير له من القوة في الحركة إلى أن يتفرع ويبسط ويتشعب ويحفظ نوعه بالبذر ويظهر فيه أثر الحركة أكثر مما ظهر في الأول ، ولا يزال هذا المعنى يزداد في شيء بعد شيء ظهورا إلى أن يصير إلى الشجر الذي له ساق وورق وثمر يحفظ نوعه وغواش يصونه بها بحسب حاجته إليها ، وهذا هو الوسط من المنازل إلا أن هذه متصلة بما قبله وهو في أفقه وهو ما كان من الشجر على الجبال وفي البراري المنقطعة وفي الغياض وجزائر البحار لا يحتاج إلى غرس بل ينبت لذاته ، وإن كان يحفظ بالبذر وهو ثقيل الحركة بطيء النشوء ، ثم يتدرج من هذه المنزلة ويقوى هذا الأثر فيه ويظهر شرفه على ما دونه حتى ينتهي إلى الأشجار الكريمة التي يحتاج إلى عناية من استطابة التربة واستعذاب الماء والهواء لاعتدال مزاجها وإلى صيانة ثمرتها إلى أن يحفظ بها نوعها كالزيتون والرمان والسفرجل والتفاح والتين والعنب وأشباهها ، ويتدرج أيضا في قبول هذا الأثر وظهور الشرف إلى أن ينتهي إلى رتبة الكرم والنخل ، فإذا انتهى إلى ذلك صار في الأفق الأعلى من النبات وصار بحيث إن زاد قبوله لهذا الأثر لم يبق له صورة النبات وقيل حينئذ صورة الحيوان ، وذلك أن النخل قد بلغ من شرفه على النبات إلى أن حصلت فيه نسبة قوية من الحيوان ومشابه كثيرة منه ؛ أولها : أن الذكر منه متميز من الأنثى وأنه يحتاج إلى التلقيح ليتم حمله وهو كالسفاد في الحيوان وله مع ذلك مبدأ آخر غير عروقه وأصله أعني الجماد الذي هو كالدماغ من الحيوان فإن عرضت له آفة تلف وليس كذلك سائر الأشجار ، لأن لتلك مبدأ واحدا وهو الأصل الثابت في الأرض فما دام ذلك الأصل ثابتا على حاله لم يتعرض له آفة فهو باقي